منير سلطان

115

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وبهذا يختتم الباقلاني مجهوده القيم في كتابه « إعجاز القرآن » ويرى الدكتور شوقى ضيف في الباقلاني أنه « أول من هاجم في قوة إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع وأيضا ، وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني ، ومن هنا تأتى أهميته ، إذ أعد للبحث عن أسرار في نظم القرآن من شأنها - حين توضح توضيحا دقيقا - أن تقف الناس على إعجازه - ثم يقول - وأن كنّا نلاحظ في الوقت نفسه ، أنه لم يستطع أن يصور شيئا من هذه الأسرار ، إذ ظلت الفكرة عنده غامضة ، وظلت مستورة في ضباب كثيف « 1 » . وهذا صحيح ، ولكن هناك وقفات طيبة للباقلاني في بيان إعجاز القرآن التفت لها وفصّل القول فيها . منها كلامه عن : التأثير النفسي للقرآن . وعن : قوة التعبير القرآني وصدقه لصدوره عن اللّه سبحانه . وعن : الوحدة الفنية في القرآن . يقول الباقلاني « فالقرآن أعلى منازل البيان ، وأعلى مراتبه ، ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه : من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته . . ، وإذا علا الكلام في نفسه ، كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج ويقلق ، ويطمع ويؤيس ، ويضحك ويبكى ، ويحزن ويفرح ، ويسكن ويزعج ، ويشجى ويطرب ، ويهز الأعطاف ، ويستميل نحوه الأسماع ، ويورث الأريحية والعزة ، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا ، ويرمى السامع من وراء رأيه بعيدا ، وله مسالك في النفوس لطيفة « 2 » ومداخل إلى القلوب دقيقة » . والجانب النفسي ، هو الجانب الذي يجب أن يأخذ مكانه في دراسات إعجاز القرآن ، ويجب ألا يعتبر جزأ من جوانب ، لأنه قائم بذاته له حيز بعينه في إعجاز القرآن .

--> ( 1 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 114 . ( 2 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 276 و 277 وانظر القصة التي يتمثل بها على صدق الأثر النفسي ص 27 و 28 .